ابن يعقوب المغربي

512

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

( وقد يستعمل ) النهى بمعنى صيغته ( في غير طلب الكف ) استعلاء الذي هو معناه الأصلي على قول من قال : إن مدلوله طلب فعل هو الكف عن الفعل بناء على أنه لا يكلف إلا بالفعل ، لعدم القدرة على عدمه ، والكف المذكور هو فعل يحصل بشغل النفس بضد المنهى عنه ، ويستدعى تقدم الشعور بالمكفوف عنه ( أو ) في غير طلب ( الترك ) على وجه الاستعلاء الذي هو معناه الأصلي على قول من يقول : إن مدلوله طلب عدم الفعل ، وهو المعبر عنه بالترك ، بناء على أنه يكلف بعدم الفعل ، أي : بتركه بناء على أن القدرة عليه بسبب القدرة على التلبس بضد المنهى ؛ لأن العدم متحقق حينئذ ، ولا يستدعى تقدم الشعور به ، ولكن الجاري على اللسان أن الترك بمعنى الكف ، فيستدعى تقدم الشعور ، إذ لا يقال فيمن لم يخطر بباله فعل أصلا ولم يفعله أنه تركه ، وعلى الأول وهو أن المكلف به الكف فلا يفعل مقتضى النهى إلا من استشعر المنهى فتركه ، فلا يمثل النهى من لم يفعل المنهى ذاهلا عنه ، فيلزم إثمه ولا قائل به إلا أن يقال : الامتثال شرط الثواب ، وشرط انتفاء الإثم يكفى فيه عدم الفعل ، وعلى الثاني وهو أن المكلف به عدم الفعل يكون من لم يفعل المنهى آتيا بمقتضى النهى ، ولكن لا بد من الثواب من النية المستلزمة للشعور ، ثم قولهم : إن كف دواعي النفس يحصل بشغلها بالضد يبطل بمن لا داعية له كالأنبياء ، وأيضا حاصل كف الدواعي عدم العمل بمقتضاها بسبب التلبس بالضد ، وذلك هو حاصل القول الأخير فقد عاد الأمر إلى أنه لا قدرة في النهى بسبب التلبس بالضد مطلقا ، والإثم ساقط بعدم التلبس بالفعل المنهى ولو بلا شعور ، والثواب لا بد فيه من النية على كلا القولين ، ولذلك قيل : إن القول الأول قريب من الثاني ، وإن الخلف بينهما ما لا تظهر له ثمرة بينة - تأمله - ثم مثل للغير الذي تستعمل له صيغة النهى بقوله ( كالتهديد ) أي : التخويف والتوعد ، وذلك ( كقولك لعبد ) لك ( لا يمتثل أمرك لا تمتثل أمري ) أي : اترك أمرى ، وإنما كان تهديدا للعلم الضروري بأنك لا تأمره بترك امتثاله أمرك ؛ لأن المطلوب من العبد الامتثال لا عدمه ، ودل على التوعد استحقاقه العقوبة بعدم الامتثال ، والتهديد خبر في المعنى ، إذ كأنه قال سترى ما يلزمك على ترك الأمر ، والعلاقة بين النهى والتهديد استلزام النهى